عاد ممشى السيارات في حديقة إل ريتيرو ليصبح مركزًا نابضًا بالحياة للنشاط الذي نحبه كثيرًا، مودعًا نسخة تركت فينا مذاقًا حلوًا رغم بعض الصعوبات. لمدة سبعة عشر يومًا، القلب الأخضر للعاصمة لقد تحوّل المكان إلى مكتبة ضخمة، حيث لم يكن الحرّ مصدر قلقٍ لنا، بل كان الأهم هو البحث الدؤوب عن الكتاب التالي الذي سيأسر عقولنا. كان المكان يعجّ بالناس، يأتون ويذهبون حاملين حقائب مليئة بأوراق الأحلام، وتفوح منه رائحة الكتب الجديدة المميزة في كل زاوية من زوايا الحديقة.
أكد هذا الاحتفال الأدبي الكبير أنه على الرغم من زحف العالم الرقمي، لا يزال التواصل المباشر مع المؤلف ومتعة تصفح الكتب في الأكشاك يتمتعان بجاذبية كبيرة. وقد أثبت سكان مدريد والعديد من السياح الذين قدموا إلى هنا ذلك... شغف القراءة إنها أكثر حيوية من أي وقت مضى، إذ تحوّل كل يوم إلى احتفال حقيقي بالمعرفة والترفيه. والآن، مع إغلاق الأكشاك، حان الوقت للتأمل والتحليل. كل ما تحتاج لمعرفته عن معرض مدريد للكتاب وماذا أسفرت عنه هذه الأسابيع من النشاط الأدبي المكثف.
ميزانية اقتصادية وعامة متينة للغاية

الأرقام لا تكذب، ورغم أننا نطمح دائمًا إلى المزيد، فإن مبلغ 7,26 مليون يورو الذي تم جمعه يُظهر بوضوح أن القطاع لا يزال يتمتع بقوة. وعلى الرغم من اضطراره للتنافس هذه المرة مع أحداث كبرى، مثل زيارة البابا ليو الرابع عشر، فاتورة مبدئية للمعرض حافظت المبيعات على مستويات جيدة للغاية، مما يدل على أن الجمهور المخلص لا يفوت موعده السنوي. وقد بيعت مئات الآلاف من النسخ، مما وفر دفعة قوية للمكتبات ودور النشر المستقلة التي تستثمر بكثافة في هذا الحدث.
أما بالنسبة لأعداد الزوار، فقد سجلت العدادات الرقمية حوالي 600.000 ألف زائر، وهو رقم، على الرغم من أنه أقل قليلاً من السنوات السابقة بسبب تحذيرات الأمطار وقيود الحركة، إلا أنه لا يزال رقماً مذهلاً للغاية. والحقيقة هي أن اكتسبت أيام العمل وزناً أكبرأصبحت أيام الأسبوع أوقاتًا مثالية للتسوق المريح، بينما لا تزال عطلات نهاية الأسبوع تشهد طوابير طويلة وتجمعات حاشدة مع نجوم الأدب. ولا شك أن حديقة ريتيرو لا تزال الوجهة الأمثل لعشاق القراءة.
الفكاهة كعلاج جماعي بين الصفحات

قرر المنظمون هذا العام جعل الفكاهة محورًا رئيسيًا، وقد حقق ذلك نجاحًا باهرًا، مُذكّرًا إيانا بأن الضحك على أنفسنا هو خير دواء. من المؤتمرات إلى التوصيات في الأجنحة، معرض مدريد للكتاب مليء بالفكاهة بهدف تخفيف التوترات وخلق جو إيجابي ينتشر بمجرد دخول المكان. وأكدت إيفا أورو أن هذا الموضوع سمح لهم باستعادة الأدب كمساحة للاختلاف البنّاء، حيث يمكن للأشخاص ذوي الأفكار المختلفة تمامًا أن يجتمعوا أمام رف الكتب نفسه.
أسماء مثل إدواردو ميندوزا، الذي يستخدم السخرية بشكل لا مثيل له، أو جوليا نافارو، التي كشفت عن جانبها الأكثر حميمية، جذبت آلاف المعجبين الذين يسعون إلى أكثر من مجرد الحصول على توقيع. أكثر من سبعة آلاف توقيع كانت الفعاليات المبرمجة هي عامل الجذب الرئيسي، مما أتاح الفرصة للمؤلفين المعروفين والمواهب الشابة الواعدة مثل أليخاندرا روبيو تبدأ مسيرتها الروائية ويتبادلون أسرارهم مع قرائهم. إن تبادل الانطباعات في الجناح هو ما يضفي الحيوية على هذا الحدث، وهو ما يجعل الناس يعودون عامًا بعد عام بنفس الحماس.
تحديات لوجستية وتجميع ذو أبعاد هائلة

ليس الأمر كله أدباً؛ فخلف كل كتاب يكمن إنجاز تقني مذهل يحوّل ممشى السيارات إلى مدينة صغيرة عابرة. نحن نتحدث عن شدّ مئات الآلاف من البراغي وتنسيق... جهاز تثبيت XXL يجب أن يحترم المشروع محيط حديقة ريتيرو قدر الإمكان، دون إحداث أي تغيير. إنه لغز ضخم يتطلب دقة متناهية، بحيث يكون كل شيء في أبهى حلة عند وصول أول قارئ في الصباح، وتظهر الأكشاك الـ 366 بأبهى صورة تحت ظلال الأشجار.
لعبت سهولة التنقل في العاصمة دورًا أيضًا، لا سيما مع التغييرات التي طرأت على وسائل النقل العام والتي اختبرت صبر الكثيرين. ومع ذلك، بفضل شبكة مترو مدريد، خطوط الحافلات الكاملة بفضل سهولة الوصول إلى المنطقة، تمكن معظم الحضور من الوصول دون عناء يُذكر. وحتى مع بعض القيود التي فرضتها الفعاليات المؤسسية، لم يتوقف تدفق الناس، مما يدل على أنه عندما يكون هناك شغف بالثقافة، لا يمكن لأي عائق أن يثني القارئ المُصِرّ.
نتطلع إلى المستقبل بذكريات تلوح في الأفق
مع اختتام هذه الدورة، بدأت الاستعدادات بالفعل لدورة 2027، التي تعد برحلة عاطفية ستترك أثراً عميقاً. سيكون موضوع الدورة هو المذكرات، بالتزامن مع مناسبات هامة في عالم الكتب في مدريد، مما سيتيح لنا... تأمل في ماضينا الثقافي وكيف تحمل الكتب جوهر هويتنا. ستكون هذه فرصة ذهبية لتكريم المكتبات التقليدية ودور النشر التي كرست عقودًا من حياتها للنضال من أجل إيصال القصص الجيدة إلينا.
باختصار، يودع معرض مدريد للكتاب جمهوره، مؤكداً أنه حدثٌ قادرٌ على التكيف مع تغيرات الزمن والظروف غير المتوقعة دون أن يفقد شيئاً من جوهره. إن مزيج المبيعات المذهلة، ونجاح الفكاهة كموضوع رئيسي، والإقبال الجماهيري الكبير رغم صعوبات التنقل، يترك انطباعاً راسخاً. نتيجة إيجابية للمنظمةيعود منتزه ريتيرو الآن إلى هدوئه المعتاد، ولكن مع شعور بالرضا لكونه، مرة أخرى، المسرح الذي حظيت فيه الأدبيات الإسبانية باستقبال هائل قبل البدء في التخطيط للحدث الكبير التالي الذي يركز على قيمة الذكريات.


